السيد محمد الصدر
100
منة المنان في الدفاع عن القرآن
الأمر الثاني : أنَّ الجن يرونه ، أعني : الشيطان ، والإنس لا يرونه . قال تعالى : إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لا تَرَوْنَهُمْ « 1 » . وإذا رآه الجنّ استطاعوا أن يهربوا منه لئلا يخدعهم ، بينما الإنسان لا يستطيع ذلك ؛ لأنَّه لا يراه ، بل يسمع كلامه ويطيعه ؛ لأنَّه مناسبٌ لشهواته . قلت : أمّا أوّلًا : فصحيح أنَّ الشيطان عدوٌّ لآدم وذريّته ، ولكن يمكن القول بأنَّه عدوٌّ لأهل الإيمان خاصَّة أيّاً كانوا - من الملائكة أو من الجنّ أو من البشر أو من أيّ خلق الله - . إذن فهو عدوّ مؤمني الجنّ ؛ لأنَّهم يؤمنون بعدوّه ، وهو الله سبحانه وتعالى ، وكلّ مؤمنٍ بعدوٍّ فهو عدوٌّ ، كما قيل في الحكمة : ( عدوّك ثلاثة : عدوّك وعدوّ صديقك وصديق عدوّك ) « 2 » . ويكون بين مؤمني الجنّ والشيطان عداوة ؛ لأنَّهم مخلصون لله عزّ وجلّ ، وليس في القرآن مفهوم مخالفة من هذه الجهة يدلُّ على أنَّه عدوُّ للبشر وليس عدوّاً للجنّ . إذن فعداوته للجنّ ممّا لا مانع منها كأُطروحة . وأمّا ثانياً : فإنَّ الأمر الثاني خطلٌ من القول ؛ فإنَّ الإنسان لا يهرب ممّن يخدعه من البشر بالرغم من أنَّه يراه ، بل يعتبره ناصحاً له وموجّهاً ؛ لأنَّه موافقٌ لرغباته ونفسه الأمّارة بالسوء .
--> ( 1 ) سورة الأعراف ، الآية : 27 . ( 2 ) راجع : شرح نهج البلاغة ( لابن ميثم البحراني ) : 1001 ، باب المختار عن حكم أمير المؤمنين ، الحكمة : 279 .